من بين كل أشكال الفن، وكل أشكال الموت، استطاع الفنان الفلسطيني بالرغم من الإبادة في قطاع غزة وعبر التكنولوجيا أن يجعل فنه وقصته حيّة رغم كل شيء، بما توفر من أدوات تكنولوجية بسيطة وأخرى متقدمة وناجية من الحرب.
إن الفن الرقمي هو كل عمل إبداعي يعتمد في إنتاجه على التكنولوجيا الرقمية من حواسيب وأجهزة لوحية وكاميرات رقمية، وفي فلسطين لم تعد التكنولوجيا مجرد خيار تقني أو جمالي بل أمست ضرورة وجودية مكنت الفنانين في الكثير من الحالات من الاستمرار في إبداعهم، على الرغم من أن آلة القتل الاحتلالية استهدفتهم ودمرت البنية التحتية الثقافية والفنية وأفقدتهم أدواتهم وفضاءات العرض التقليدية.
من هنا بدأتُ البحث في ظروف ولادة هذا الفن وأبرز نجاحاته، وقمت بتوثيق نماذج سيقول عنها المثقفون والمؤرخون إنها ساهمت في كتابة التاريخ، وفي انتشار الرواية الفلسطينية في ظل الإبادة، ولقد شكلت هذه المبادرات بديلًا للإنتاج الفني وأرشيفًا مستمرًا يوثق الإبادة ومساحة أبقت الفنان فاعلًا وقوة ناعمة قادرة على مخاطبة العالم خارج نطاق الأخبار والحقائق والأرقام الجامدة.
وعلى هذه الخلفية جاءت دراستي بعنوان "الفن الرقمي تحت الاحتلال والإبادة" الصادرة عن "مركز صدى سوشيال" في حزيران/ يونيو من العام الحالي، والتي تنبع أهميتها من صعوبة استمرار العمل الفني تحت الحرب والاحتلال الإسرائيلي، فظهر الفن الرقمي كطوق نجاة وإنقاذ لتجاوز هذه الظروف.
وانطلاقًا من القراءة التحليلية التي قدمتُها في هذه الدراسة، أود تسليط الضوء فيما يلي على مبادرتين ساهمتا في تخطي العقبات التي فرضتها الحرب والحياة تحت الاحتلال وفي تعزيز الحضور الفني الفلسطيني في المحافل الدولية، بل شكلتا أداة للتوثيق والمقاومة والتعبير الفني والتواصل العالمي.
أرت زون فلسطين ArtZone Palestine
مبادرة توثيقية فنية انطلقت من قطاع غزة عام 2024، تهدف إلى حفظ الذاكرة البصرية الفلسطينية عبر أرشفة الأعمال الفنية المهددة أو المدمرة ونشرها على المنصة الرقمية. اعتمدت المبادرة تقنيات التصوير الرقمي للأعمال الفنية من لوحات ورسوم وأعمال بصرية، وذلك عبر الهواتف الذكية والكاميرات المتاحة، وعبر معالجتها رقميًا على المنصة التي تضم معارض افتراضية ومحتوى توثيقيًا مدعومًا بوسائل التواصل الاجتماعي.
أسستها مجموعة من الفنانين الفلسطينيين في الوطن والشتات، بما يعكس طابعًا تشاركيًا عابرًا للجغرافيا، يؤكد دور الشتات في حماية واستدامة الإنتاج الثقافي.
تمكنت المبادرة من جمع أكثر من 1200 صورة لأعمال فنية، وتأسيس أرشيف فني غير مسبوق للفن الفلسطيني في زمن الحرب، مما أعاد الاعتبار إلى الفن كذاكرة مقاومة، ومنح النسخ الرقمية للأعمال حياة جديدة لا تخضع لمنطق التدمير المادي، وشاركت الكثير من هذه الأعمال الموثقة في معارض دولية.
واجهت المبادرة العديد من التحديات خاصة داخل قطاع غزة مع انقطاع الكهرباء والإنترنت وصعوبة تنقل الفنانين وسفرهم، وصعوبة التواصل معهم وجمع أعمالهم، وكان الاعتماد الوحيد على الصور المحفوظة لدى أصحابها، مع تفاوت الجودة.
بينالي غزة Gaza Biennale
مبادرة فنية عالمية انطلقت من غزة خلال حرب الإبادة عام 2024 كمشروع جماعي يوظف الفن كأداة توثيق ومقاومة ثقافية، يعتمد على الرقمنة كحل اضطراري في ظل غياب إمكانيات الإنتاج والعرض التقليدي.
كلمة "بينالي" إيطالية الأصل، تعني كل عامين، لكن فكرة البينالي تشير إلى حدث فني دولي يستغرق تحضيره فترة طويلة بهدف استقطاب أعمال فنية من العالم.
استند البينالي إلى إرسال الأعمال الفنية رقميًا (لوحات مصوّرة، صور فوتوغرافية، مقاطع فيديو) من غزة إلى العالم، حيث أعيد إنتاجها وطباعتها وعرضها ضمن أجنحة أقيمت في 18 مدينة حول العالم، ما كسر النموذج الكلاسيكي للبينالي القائم على الحضور المكاني للفنان والمؤسسة الراعية المركزية.
واجهت المبادرة تحديات جسيمة تمثلت في انقطاع الكهرباء والإنترنت في قطاع غزة، واستحالة سفر الفنانين، عدا عن ضعف جودة الإرسال الرقمي، وغياب ميزانية مستقرة، إلا إنها استطاعت رغم ذلك خلق ذاكرة بصرية حية للإبادة، وإيصال السردية الفلسطينية إلى الفضاء الفني العالمي، وتحويل الفن المنتج تحت القصف إلى شهادة إنسانية وسياسية ذات أثر ثقافي ورقمي عابر للحدود.
مبادرات... شاهدة وحافظة للذاكرة
كانت هاتان المبادرتان مثالًا على التوثيق وتصوير العمل الفني التقليدي بجودة عالية أو نشر الأعمال الفنية المصورة سابقًا باجتهاد من الفنانين وأصدقائهم بجودة متباينة، ومن بينها أعمال فنية لفنانين استشهدوا. كان التوثيق هو الشكل الفني الرئيسي الذي شكل أداة قوية للمحافظة على الذاكرة الفردية والجمعية الفلسطينية، وهو جهد لا يُستهان به، مع وجود أعداد كبيرة من الأعمال الفنية لن يكون من السهل استعادتها وتوثيقها خاصة إذا كانت تحت الرماد.
قامت هذه المبادرات بمحاولات تقنية لمعالجة الأعمال عبر مختلف البرامج لتحسين جودتها، وتراوحت هذه الأدوات بين تصوير الأعمال الفنية التشكيلية والصور الفوتوغرافية، واستخدام التكنولوجيا في إعادة إنتاج أعمال فنية فلسطينية من قبل فنانين مناصرين للقضية الفلسطينية للمشاركة في المعارض الدولية، وهذا كان واضحًا في تجربة بينالي غزة. أما منصة أرت زون فاعتمدت التصوير الرقمي وأرشفة الأعمال الفنية كأداة رئيسية انطلاقًا من فكرة حفظ التراث الفني وإطلاقه إلى العالم بصيغة رقمية قابلة للنشر والحفظ.
تحديات مشتركة
تُظهر المبادرات الفنية الرقمية الفلسطينية، سواء المؤسسية أم الفردية، تشابهًا واضحًا في طبيعة التحديات التي واجهتها في ظل الحرب والإبادة. فعلى المستوى المادي والتقني، برزت إشكاليات انقطاع التيار الكهربائي، وضعف الاتصال بالإنترنت، وتدمير أو فقدان الأدوات والمعدات اللازمة للإنتاج الفني، ما فرض على الفنانين البحث عن بدائل تقنية تضمن الحد الأدنى من الاستمرارية.
وفي هذا السياق، أكّد الفنان التشكيلي والأكاديمي شحدة أحمد درغام، المقيم في غزة، في مقابلة أُجريت في إطار هذه الدراسة، أن النزوح المتكرر وعدم استقرار مكان العمل شكّلا عائقًا مباشرًا أمام انتظام الإنتاج، فضلًا عن أن انقطاع الكهرباء لفترات طويلة أعاق استخدام الحاسوب والأدوات الرقمية، وجعل عملية الإنجاز الفني مرهونة بالظروف الطارئة لا بالتخطيط المسبق. ويتقاطع هذا التوصيف مع ما واجهته المبادرات الرقمية المدروسة، التي اضطرت إلى العمل ضمن بيئات غير آمنة ومفتقرة إلى أبسط مقومات الإنتاج.
كما برز البعد النفسي كأحد أكثر التحديات تعقيدًا، حيث أشار درغام إلى الضغط النفسي الشديد الناتج عن التعامل اليومي مع مشاهد القتل والفقد والدمار، وهو ما انعكس على الحالة الإبداعية نفسها. وتؤكد هذه الشهادة أن الفن الرقمي لم يُنتَج في ظروف استثنائية فحسب، بل أيضًا في سياق إبادة مفتوحة أثّرت على الفنان بوصفه إنسانًا وفاعلًا ثقافيًا في آن واحد، وهو ما ينطبق على معظم المبادرات الرقمية التي وثّقتها الدراسة.
الإنجازات... رغم الرماد
حقق بينالي غزة أثرًا فنيًا متميزًا حيث كسر النموذج التقليدي للبينالي بوصفه حدثًا يقام في مدينة واحدة بميزانية كبيرة ومؤسسة راعية، فهو عابر للقارات وفن مقاوم للاحتلال والاستعمار والإبادة. كما شكلت الأعمال المشاركة شهادة بصرية تحت الإبادة وسجل مهم للذاكرة الفلسطينية، وهو أرشيف ثقافي حي في مواجهة الإبادة الثقافية التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي ضد الهوية والذاكرة الجمعية والتراث الفلسطيني واستهداف المثقفين والفنانين، ويعتبر سردية فلسطينية ذاتية.
أما منصة أرت زون فقد نجحت في إحياء الإنتاج الفني المهدد بالاندثار، وأسهمت الأعمال التي جُمعت، وشاركت في العديد من المعارض الدولية، في بث روح جديدة في الذاكرة الجمعية للفن الفلسطيني، وساهمت في تعزيز وعي المجتمع الفلسطيني بأهمية التوثيق الفني، كما وفرت مساحة للتعبير الثقافي عن الأمل والألم بل والتضامن الثقافي عبر أعمال فنية رقمية تدعم حق الناس في البقاء والحفاظ على ذاكرتهم. وأضافت رسالة سياسية كقوة ناعمة من خلال عرض أعمال فنية افتراضيًا، ورفع الصوت الفلسطيني في وجه الاحتلال عبر منصة متاحة عالميًا، وشكل ما جمعته حتى الآن أرشيفًا رقميًا غير مسبوق للفن الفلسطيني في زمن الحرب.
لقد كسرت هذه المبادرات كل محاولات التعتيم من قبل الاحتلال على تفاصيل الإبادة في قطاع غزة ومنع دخول الإعلاميين وانقطاع الإنترنت والكهرباء وعزله عن العالم لفترات طويلة. وحملت في مضامينها ما لم تستطع السياسة التعبير عنه، وشكلت أداة ضغط ناعمة لم تغيّر سياسات الدول لكنها أعادت فلسطين إلى الفضاء الرقمي والفني العالمي، كما شكل البينالي ردًا على الرواية الرسمية بسردية إنسانية ناعمة.
كانت المبادرتان نموذجين لكيفية تحوّل الرقمنة إلى وسيلة لحماية الذاكرة الثقافية الفلسطينية وإيصالها إلى العالم، وذلك عبر جهد جماعي تعاوني بين الفنانين الفلسطينيين في كل مكان، مما يعكس وعيهم وإدراكهم لاستهداف الاحتلال الإسرائيلي للذاكرة الفلسطينية، وإيمانهم بما يحمله الفن من رسائل قوية من شأنها أن تخترق كل محاولات التعتيم والتحيّز الإعلامي ضد القضية الفلسطينية.