بعد 1000 يوم من الإبادة.. كيف أعادت الحرب تشكيل الصحة النفسية في قطاع غزة؟
لم تعد آثار الإبادة الجماعية في قطاع غزة تقتصر على القتل والدمار والنزوح، إنما امتدت لتصيب الصحة النفسية لمئات آلاف السكان، حتى غدت الصدمة حالة يومية يعيشونها من دون انقطاع، فكوابيس الليل والاستثارة العصبية، واضطرابات القلق والاكتئاب، والتبوّل اللاإرادي لدى الأطفال، والانفصال العاطفي، والآلام المزمنة في الظهر والمفاصل، والصداع المستمر، والاضطرابات في الجهاز الهضمي والقولون، من دون وجود أسباب عضوية واضحة، جل تلك الأعراض النفس جسمانية أو الـ "سيكوسوماتية" يعاني منها آلاف الغزيين جرّاء استمرار الإبادة الجماعية منذ ما يزيد على 1000 يوم.
ووفقاً لصندوق الأمم المتحدة للسكان، فإن أكثر من مليون طفل في غزة بحاجة إلى الدعم النفسي والاجتماعي، فيما يشعر 96% منهم بأن الموت وشيك. أمّا بين المراهقين والشباب فإن الخسائر النفسية لا تقلّ حدة، إذ يعاني نحو 61% من اضطراب ما بعد الصدمة، و38% من الاكتئاب، و41% من القلق. وقالت سيما العلمي مسؤولة برنامج المراهقين والشباب في صندوق الأمم المتحدة للسكان: "يُفكّر واحد من كل خمسة بالغين في الانتحار بشكلٍ شبه يومي."[1]
وتعكس تلك الأرقام التي تُظهر ارتفاع معدلات الاضطرابات النفسية في قطاع غزة، تحوّل الصحة النفسية إلى جرح غائر يتجاوز الصدمات الطارئة ليصبح أزمة ممتدة تهدد الأجيال القادمة، إذ لا تزال الإبادة الجماعية مستمرة، من قصف وفقدان إلى نزوح وعدم شعور بالأمان، في ظل أوضاع حياتية مأساوية تحول دون التعافي.
اضطرابات سلوكية ونفسية جسمانية
تختزل والدة الطفل ساجي (7 أعوام) مأساة جيل كامل في غزة، إذ تروي كيف عصفت الصدمات بالاستقرار النفسي لطفلها، متجلية في اضطرابات سلوكية حادة كالتبول اللاإرادي، وفرط الحركة، والنزوع نحو العنف. وتعزو الوالدة هذا التحول إلى محطات الرعب التي عاشها الصغير، وتقول بقلب ينفطر ألماً: "اندلعت النيران إثر قصف المبنى المجاور لمركز نزوحنا ما أثار نوبة من الخوف والبكاء لدى طفلي، كذلك استهدفت غارة أُخرى المنطقة أثناء وجوده بمفرده داخل المرحاض، ما خلّف لديه صدمة غائرة."[2]
وتوضح أم ساجي بصوت كله أسى: "حاولت علاجه عدة مرات إلا أن استمرار الإبادة الجماعية يحول دون تعافيه بشكل تام، حيث القصف المستمر لقربنا من الخط الأصفر."
أمّا الطفل آدم (4 أعوام) فتروي والدته[3] أنه كان ينمو بصورة طبيعية قبل الحرب، وبدأ ينطق كلماته الأولى مثل أي طفل في عمره، قبل أن تنقلب حياته بالكامل في إثر سلسلة من الأحداث الصادمة التي عاشتها العائلة خلال العدوان.
وتقول والدة آدم: "كنا نعيش القصف والخوف بشكل يومي، ثم تعرضنا لاستهداف مباشر ترك أثراً كبيراً في طفلي، ومنذ ذلك الوقت تغير كل شيء، دخل آدم في حالة انطواء تام، وتوقف عن الاستجابة لنا، وأصيب بإسهال مزمن استمر أكثر من عام، كما بدا وكأنه لا يسمع ما نقوله."
وتوضح أنها تنقلت بين المستشفيات والمراكز الطبية، وأجرت له فحوصات متعددة، وصُرفت له عدة أدوية، لكنها امتنعت عن إعطائه إياها بعد أن تركت آثاراً جانبية.
بعد ذلك، لجأت إلى العلاج في "مركز نوال غزة للتعافي النفس جسماني"، حيث بدأت رحلة مختلفة مع ابنها، وتقول بصوت كله أمل: "منذ الجلسات الأولى بدأت ألاحظ تغيراً تدريجياً، أصبح أكثر انتباهاً لمن حوله، وبدأ يستعيد شيئاً فشيئاً قدرته على التواصل."
وتضيف أن آدم خضع لجلسات علاجية أسبوعية، إلى جانب تمارين منزلية وبرنامج غذائي خاص، الأمر الذي انعكس تدريجياً على حالته. وتقول: "اليوم أشعر أنه بدأ يعيش جزءاً من طفولته التي سرقتها الحرب، صار يجلس مع الآخرين، ويتفاعل، وأستطيع أن ألعب معه وأدربه على النطق والانتباه."
وتشير إلى أن رحلة العلاج لم تكن سهلة، ليس فقط بسبب حالة ابنها، بل أيضاً بسبب الأوضاع الاقتصادية القاسية التي تعيشها الأسرة، وتقول وقلبها يعتصر ألماً: "كل جلسة علاج تكلف خمسين شيكلاً، ورغم ظروفنا المادية الصعبة أحاول توفير ثمنها بأي طريقة، لأنني رأيت الفرق في حالة ابني."
وتلفت إلى أن الخطة العلاجية تتطلب توفير غذاء صحي وألعاب تعليمية تساعده على تنمية مهاراته، و"هي حاجات يصعب تأمينها في ظل الأوضاع الإنسانية الراهنة."
وتختم حديثها قائلة: "ما زال ابني يحتاج إلى وقت طويل حتى يتعافى بالكامل، لكن أكثر ما أتمناه أن يعيش طفولته مثل بقية الأطفال، بعيداً عن الخوف والصدمة والحرب."
تحاكي قصة ساجي وآدام الواقع الذي يعيشه الأطفال والبالغون في قطاع غزة، حيث لم تعد الصدمة حدثاً عابراً في حياتهم، إنما باتت تسكن أجسادهم وتحد من نموهم وتطورهم، لتصبح النجاة الجسدية مجرد بداية لرحلة طويلة من المعاناة النفسية.
الألم النفسي والجسدي
وفي هذا السياق، ترى أخصائية الصحة النفس جسمانية نوال عسقول[4] أن ما يعيشه سكان القطاع تجاوز المفاهيم التقليدية لاضطراب ما بعد الصدمة، "لأن الصدمة نفسها لم تتوقف بعد"، وتقول: "هناك استنزاف متواصل للجهاز العصبي بسبب التهديد الوجودي المستمر، وفقدان الحاجات الأساسية، ما أدى إلى انهيار آليات التكيف النفسية، وتحول الصمود إلى حالة اضطرارية ممزوجة بالحزن والحداد غير المكتمل."
وتوضح أن الحالات التي يستقبلها المركز تكشف تداخلاً وثيقاً بين الألم النفسي والجسدي، إذ تظهر الصدمة في صورة أعراض جسدية مزمنة واضطرابات سلوكية ونمائية، ولا سيّما بين الأطفال.
وتستحضر عسقول مشاهد تعكس حجم المأساة، فتقول: "واجهتنا حالات نعجز عن إيجاد حلول لها، ليس لغياب الخبرة، وإنما لأن البيئة نفسها عاجزة عن توفير الحد الأدنى من الأمان. عندما يحاول طفل الوصول إلى مناطق الخطر لأنه سئم الحياة، أو تأتي أرملة فقدت منزلها ومعيلها وتقول: لم أعد أستطيع الاستمرار، أنا أنهار من الداخل... ندرك أن العلاج النفسي وحده لا يكفي ما لم تتوفر مقومات الحياة الأساسية."
وتؤكد أن الحاجات النفسية باتت تشمل جميع سكان قطاع غزة تقريباً، في وقت تعاني فيه منظومة الصحة النفسية جرّاء انهيار شبه كامل، بسبب نقص الكوادر المتخصصة وتدمير المراكز والعيادات.
وتوضح أن الخدمات المقدمة حالياً "لا تتجاوز كونها إسعافات نفسية أولية، ولا تلبي سوى جزء ضئيل من الحاجة الفعلية."
وتحذر عسقول من أن آثار الحرب لن تتوقف بانتهاء العمليات العسكرية، إنما ستمتد لسنوات وربما لأجيال، عبر انتقال الصدمات غير المعالجة من الآباء إلى الأبناء، وارتفاع معدلات الأمراض الجسدية المرتبطة بالإجهاد المزمن، فضلاً عن تغيرات في البنية النفسية والاجتماعية، وأزمة هوية لدى الأطفال والشباب الذين فقدوا سنواتهم التأسيسية.
وعن التحديات التي تواجه العاملين في مجال الصحة النفسية، تقول إن مقدمي الخدمة "هم أيضاً ضحايا للحرب"، وتلفت إلى أنهم يعيشون تحديات النزوح والفقدان والتهديد نفسها التي يعيشها المرضى، "الأمر الذي يضاعف تعرضهم للاحتراق النفسي والصدمة الثانوية، في ظل غياب بيئة علاجية آمنة، وشح الموارد، وصعوبة استمرار الخدمات المتخصصة."
ويعكس ذلك فجوة متزايدة بين حجم الحاجات النفسية وقدرة المنظومة الصحية على الاستجابة لها، في ظل تدمير المرافق الصحية، ونقص الكوادر المتخصصة، واستمرار الأوضاع التي تنتج الصدمة يومياً، وهو ما يجعل التدخلات العلاجية، مهما كانت فاعلة، عاجزة عن تحقيق تعافٍ مستدام في غياب بيئة آمنة.
بعد أكثر من 1000 يوم من الإبادة الجماعية، يعيش سكان قطاع غزة داخل صدمة متواصلة لا تمنح الجهاز العصبي فرصة لاستعادة توازنه أو الشروع في رحلة التعافي، فلا يزال الأطفال يستيقظون على الخوف من الأصوات المرتفعة، ويعاني كثير منهم جرّاء اضطرابات سلوكية ونمائية، فيما يرزح البالغون تحت وطأة القلق والاكتئاب، والأعراض النفس جسمانية التي باتت جزءاً من حياتهم اليومية.
ومع استمرار العمليات العسكرية، ومنع إدخال الأدوية والمستلزمات الطبية، بما فيها خدمات ومستلزمات الصحة النفسية، تتسع الفجوة بين حجم الحاجات وإمكانات الاستجابة، لتتحوّل الصدمة من تجربة فردية إلى أزمة مجتمعية مرشّحة لأن تترك آثارها في الأجيال المقبلة.
[1]عبد المنعم مكي، "مليون طفل في غزة بحاجة إلى الدعم النفسي والفتيات يواجهن مخاطر متزايدة"، أخبار الأمم المتحدة، 19/3/2026.
[2] مقابلة أجرتها الصحافية والباحثة هداية محمد التتر مع والدة طفل يعاني جرّاء اضطراب ما بعد الصدمة، بتاريخ 9/7/2026.
[3] مقابلة أجرتها الصحافية والباحثة هداية محمد التتر مع والدة طفل يعاني جرّاء صدمة نفس جسمانية، بتاريخ 10/7/2026.
[4]مقابلة أجرتها الصحافية والباحثة هداية محمد التتر مع الطبيبة نوال عسقول أخصائية الصحة النفس جسمانية، بتاريخ 10/7/2026.