أطفال غزة تحت حصار المرض: الجدري والأوبئة تزحف بين الخيام
فاطمة بشير (مؤسسة الدراسات الفلسطينية)
في خيمة مهترئة بمدينة دير البلح وسط قطاع غزة، يستيقظ الطفل اليتيم "ع. م" على حكة لا تفارقه منذ أسابيع، فيمرر أصابعه الصغيرة فوق البثور الحمراء المنتشرة على جسده في محاولة منه لتخفيف حرقتها، بينما تراقبه جدته بعينين مثقلتين بالعجز؛ إذ لم يعد همها مقتصراً على توفير الطعام أو حماية أحفادها من خطر النزوح فقط، بل أيضاً باتت تخوض معركة يومية مع الأمراض التي تزحف بين الخيام وتطارد أجساد الأطفال.
تتكفل الجدة البالغة من العمر 60 عاماً برعاية حفيدها "ع. م" وعشرة أطفال آخرين من أحفادها الأيتام، بعد أن فقدت خلال الحرب ثلاثة من أبنائها وزوجاتهم في مجازر متنوعة ارتكبها جيش الاحتلال خلال رحلة نزوحهم الطويلة. وتفتقر هذه الرعاية التي تتم في مساحة ضيقة إلى أدنى مقومات النظافة والسلامة البيئية، بحيث لا يتوفر فيها الحد الأدنى من شروط الحياة الصحية، وبين حرارة الصيف الخانقة وشح المياه والاكتظاظ الشديد في مخيم النزوح، تتسع دائرة الإصابات الجلدية والأمراض المعدية بين الأطفال، في وقت تعجز فيه العائلات عن تأمين العلاج أو حتى اتباع سُبل الوقاية.
ليست هذه القصة استثناءً في مخيمات النزوح المنتشرة في قطاع غزة، إنما تمثل نموذجاً لواقع يعيشه آلاف الأطفال الذين وجدوا أنفسهم محاصرين بين فقدان ذويهم من جهة، وتدهور الأوضاع الصحية التي يعيشون فيها من جهة أُخرى. فمع استمرار النزوح وتراجع الخدمات الأساسية، تحولت الخيام داخل قطاع غزة إلى بيئة خصبة لانتشار الأمراض والأوبئة، لتضيف إلى معاناة الأطفال طبقة جديدة من الألم تتجاوز آثار الحرب المباشرة.
أوضاع كارثية!
لا تعكس إصابة الطفل "ع. م" واقعاً فردياً بقدر ما تكشف جانباً من أزمة صحية متفاقمة داخل مخيمات النزوح في قطاع غزة؛ فقد تحولت الخيام المكتظة إلى بيئة مؤاتية لانتشار الأمراض المعدية بين الأطفال، بحيث تشير التقارير الحديثة لوكالة الغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)[1] إلى استمرار ارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض الجلدية والطفيليات الخارجية وعلى رأسها الجَرَب، إلى جانب تزايد حالات الجدري المائي والإسهال المائي الحاد بين الأطفال والبالغين على حد سواء.
ولا تبدو هذه الأمراض منفصلة عن البيئة التي نشأت فيها، فبحسب تقييمات أممية شملت أكثر من 1600 موقع نزوح في قطاع غزة، سُجلت أكبر حالة انتشار كثيف للقوارض والحشرات في نحو 80% من مواقع النزوح، بينما ظهرت الأمراض الجلدية المعدية في 48% من تلك المواقع، ويربط مختصون بين هذا الواقع وتراكم النفايات في أماكن سكن المواطنين داخل القطاع، بالإضافة إلى تجمع المياه العادمة وصعوبة تنفيذ عمليات المكافحة البيئية في ظل نقص المواد اللازمة لذلك.
وتزداد خطورة المشهد الصحي مع استمرار تراجع المقومات الأساسية للحياة داخل مخيمات النزوح، فقد حذرت الأونروا من أن أنظمة إنتاج المياه وضخها، بالإضافة إلى خدمات إدارة مياه الصرف الصحي وجمع النفايات تواجه خطر التعطل بسبب النقص الحاد في الوقود وقِطع الغيار؛ الأمر الذي يهدد تفاقم المخاطر الصحية وانتشار مزيد من الأمراض المعدية بين النازحين، وخصوصاً الأطفال الذين يشكلون الفئة الأكثر هشاشة في المجتمع.
وفي ظل هذه الأوضاع، أكدت وزارة الصحة الفلسطينية أن الخيام في غزة لم تعد مأوى موقتاً للنازحين، بل تحولت إلى فضاءات تتقاطع فيها عوامل المرض كافة، من الاكتظاظ وضعف الخدمات الصحية، إلى تلوث البيئة المحيطة وسوء التغذية؛ وهو ما يجعل آلاف الأطفال في قطاع غزة عرضة لدائرة متواصلة من العدوى والمعاناة الصحية التي يصعب كسرها في غياب تدخلات إنسانية وصحية عاجلة.
تحديات صعبة
يعكس الانتشار المتزايد للجدري المائي والجرب بين الأطفال النازحين حجم التدهور الصحي والبيئي الذي تعيشه مراكز الإيواء وخيام النزوح داخل قطاع غزة، بحيث تتداخل عوامل الاكتظاظ الحاد، ونقص المياه النظيفة، وتراجع خدمات الصرف الصحي، مع محدودية الرعاية الطبية لتشكل بيئة مثالية لانتشار الأمراض المعدية.
من جهتها، تؤكد طبيبة طوارئ في مستشفى شهداء الأقصى أنها تستقبل يومياً عشرات الحالات لأطفال يعانون جرّاء الجدري المائي والجرب، بالإضافة إلى العديد من الأمراض الجلدية حديثة الظهور، مشيرة إلى أن معظم الإصابات ترتبط بصورة مباشرة بالأوضاع المعيشية القاسية التي يعيشها النازحون داخل الخيام، بحيث يصعب عزل المصابين في أماكن خاصة إلى أن يتم التأكد من شفائهم من الأعراض كافة؛ الأمر الذي يجعل فرصة انتشار الأمراض بين الأطفال والمحيطين أكبر، موضحة أن الأطفال يمثلون الفئة الأكثر هشاشة أمام هذه الأمراض بسبب ضعف مناعتهم مقارنة بالأشخاص البالغين، وكثرة الاحتكاك المباشر فيما بينهم داخل الخيام بطريقة مباشرة، فضلاً عن تأثير سوء التغذية والإجهاد النفسي والجسدي المستمر في قدرتهم في مقاومة العدوى.
وفي السياق ذاته، يقول طبيب أطفال يعمل في عيادته الخاصة في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة أنه يشهد منذ بداية العام الجاري ارتفاعاً غير مسبوق في أعداد الأطفال الذين يراجعون العيادة بسبب إصابتهم بأمراض جلدية متعددة، بعضها يمكن تشخيصها بأنها حالات جرب أو جدري مائي أو التهابات جلدية معروفة، بينما تظهر حالات أُخرى بأعراض مركبة وغير مألوفة تفاقمت نتيجة الأوضاع البيئية والصحية الاستثنائية التي يعيشها الأطفال في مراكز النزوح، ويشير إلى أن بعض المرضى الذين يصلون إليه يعانون جرّاء حالات طفح جلدي واسع النطاق والتهابات متكررة وحالات حكة مزمنة يصعب السيطرة عليها، وذلك بسبب استمرار تعرضهم للمسببات ذاتها داخل أماكن إصابتهم.
ويضيف إلى أن التحدي لا يقتصر على إمكان التشخيص فقط، بل أيضاً يمتد إلى صعوبة توفير العلاج المناسب واستكمال الخطة العلاجية، في ظل النقص المتكرر في الأدوية والمستحضرات الجلدية الأساسية وارتفاع تكلفتها هذا إن وُجدت. كما أن الكثير من العائلات النازحة تضطر إلى تأجيل العلاج أو الاكتفاء بحلول موقتة، بسبب الأحوال الاقتصادية الصعبة؛ وهو ما يؤدي إلى تفاقم الحالات وتحول بعضها إلى التهابات أشد تعقيداً. وأيضاً، يؤكد أن نجاح العلاج يرتبط عادة بتحسين الأوضاع المعيشية والنظافة الشخصية واتباع سُبل الوقاية اللازمة وتقليل الاكتظاظ، وهي شروط يُصعب تحقيقها في واقع النزوح الحالي الذي يعاني جرّاءه القطاع.
وفي المقابل، حذرت بلدية دير البلح[2] من أن استمرار الأوضاع البيئية الكارثية داخل مناطق النزوح ينذر بتسارع انتشار الأمراض بين السكان، وخصوصاً الأطفال، وأشارت في تصريحاتها إلى أن تراكم النفايات، وتدهور شبكات الصرف الصحي، وشح المياه الصالحة للاستخدام، كلها عوامل تهيئ بيئة مناسبة لانتقال العدوى، وتوسع رقعة الأمراض المعدية والجلدية. بالإضافة إلى ذلك، تؤكد البلدية أن قدرتها على الاستجابة لمواجهة هذه التحديات باتت محدودة بفعل النقص الحاد في الإمكانات الفنية واللوجستية، في وقت تتزايد فيه حاجات آلاف النازحين الذين يتركزون في مناطق ضيقة ومكتظة، كما تشير إلى أن القيود المفروضة على إدخال المعدات والآليات وقِطع الغيار والوقود والمواد اللازمة لتشغيل وصيانة المرافق الخدماتية تعيق جهودها في جمع النفايات وتشغيل آبار المياه ومحطات الصرف الصحي بالطريقة المطلوبة؛ وهو ما يؤدي إلى تفاقم المشكلات البيئية والصحية باستمرار.
وأيضاً، ترى البلدية أن استمرار إغلاق المعابر وتعطل وصول المستلزمات الأساسية اللازمة للعمل البلدي يضاعف حجم الأزمة، ويحد من قدرة الطواقم الميدانية على احتواء المخاطر المتزايدة؛ الأمر الذي ينعكس مباشرةً على صحة السكان، ويجعل الأطفال أكثر عرضة للإصابة بالأمراض، في بيئة تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات السلامة والصحة العامة.
وبين التصريحات الطبية وتصريحات البلدية، تنكشف ملامح أزمة صحية متفاقمة لا ترتبط بمرض معين، إنما بواقع انساني وبيئي يهدد آلاف الأطفال يومياً، ويجعل الحصول على الرعاية والعلاج تحدياً إضافياً يواجه العائلات النازحة إلى جانب معاناتهم المستمرة مع الحرب والنزوح.
أجساد مرهقة
مع حلول الليل، وفي الوقت الذي يُفترض أن يجدَ الأطفالُ ساعات من الراحة بعد يوم طويل من العمل الشاق داخل الخيام، تبدأ معاناة كثير منهم بطريقة مختلفة.
تقول "ن. ف" والدة الطفل محمد المصاب بمرض الجرب: "طول الليل محمد ابني يبقى يتقلب يمين وشمال لساعات طويلة يحاول يقاوم الحكة اللي بتلاحقه في كل جسمه من مكان لمكان لحد ما تسيطر عليه، لحد ما يصير معه سخونة عالية وبتوصل درجة حرارته لـ 40 وبطلع أقعد فيه بالشارع لعل وعسى يبرد، وياريت بنسلم لا والله، يحدث معه طفح جلدي وما بعرف شو أعمله، حتى حق علاج ما معي أجيبله."
وفي الخيمة المجاورة، أسرة مكتظة في مكان ضيق، يتحول البكاء المتكرر والاستيقاظ المتواصل فيها إلى مشهد يومي تعيشه العائلات مع أطفالها المرضى، ومع استمرار الأعراض لأيام، يفقد الكثير من الأطفال رغبتهم في تناول الطعام، وتبدو عليهم علامات الإرهاق والوهن وقلة النشاط، بعد أن استنزفت الحمى والحكة طاقتهم الجسدية، وبين محاولات الأمهات للتخفيف من آلامهم بالإمكانات المحدودة والمتاحة؛ بحيث يواجه الأطفال معاناة تتجاوز المرض نفسه، لتطال تفاصيل حياتهم اليومية ونموهم الجسدي والنفسي.
في المحصلة، لا يمكن فصل تفشي الأمراض الجلدية المعدية بين الأطفال في مراكز النزوح عن السياق الأشمل للواقع الإنساني والصحي في قطاع غزة منذ بداية حرب السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، فالأزمة لم تعد تقتصر على تداعيات مباشرة للنزاع بين طرفين فقط، بل أيضاً تحولت إلى حالة ممتدة من الانهيار في مقومات الحياة الأساسية، بحيث تتداخل آثار النزوح الجماعي مع تدمير البنية التحتية والصحية والبلدية في قطاع غزة، بالإضافة إلى شح الموارد وتقييد وصول الإمدادات اللازمة لتشغيل الخدمات الحيوية. وبين خيام مهترئة ومكتظة تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات النظافة، ونظام صحي يواجه ضغطاً غير مسبوق، تتسع رقعة المخاطر الصحية لتطال الفئات الأكثر هشاشة وفي مقدمتها الأطفال.
ومع استمرار الأوضاع البيئية القاسية، وتراجع القدرة على الاستجابة الطبية والخدمية، تبقى احتمالات تفاقم الأوضاع قائمة، وهو ما يجعل الأزمة الصحية جزءاً من مشهد إنساني أوسع يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم، ويضع المجتمع المحلي أمام تحديات متراكمة تتجاوز حدود العلاج إلى جوهر القدرة على البقاء نفسه.
قائمة المراجع:
قصة الطفل "ع. م". مقابلة شخصية أجرتها الباحثة مع جدة الطفل.
مقابلة "ت. م" داخل مركز إيواء عشوائي في منطقة السلام في مدينة دير البلح، الأحد 31/5/2026 الساعة 3 عصراً.
قصة الطفل "ن. ف". مقابلة وجاهية أجرتها الباحثة مع أم الطفل "ن. ف" داخل خيمتهم في مدينة الزوايدة وسط قطاع غزة، يوم الثلاثاء 3/6/2026، الساعة 7 مساءً.
مقابلة دكتور الأطفال تمت بصورة وجاهية في عيادته الخاصة في مكان إقامته في مدينة دير البلح، السبت 30/5/2026، الساعة 2 ضهراً، رفض ذكر اسمه لأسباب خاصة.
مقابلة دكتورة الطوارئ في مستشفى شهداء الأقصى تمت بصورة وجاهية داخل قسم الطوارئ في المستشفى في دير البلح يوم الإثنين 1/5/2026، الساعة 9 صباحاً، رفضت ذكر اسمها لأسباب خاصة.
[1] الأونرواعلى الرابط الإلكتروني.
[2] "دير البلح تئن تحت وطأة النزوح.. انهيار صحي وإنساني يهدد حياة مئات الآلاف"، "شهاب"، 1/9/2025.