لم تطمئن على والدتها باتصال هاتفي، ولا برسالة وصلت إليها بعد انقطاع طويل، بل كل ما احتاجت إليه لتعرف أن أمها لا تزال على قيد الحياة كان مجرد لقطة عابرة ظهرت فيها وراء مراسل تلفزيوني داخل مستشفى الشفاء.
في تلك اللحظة، لم تعد الحرب على غزة عبارة عن أخبار تتابعها المهندسة الفلسطينية منى المقوسي من بعيد، بل تحولت إلى انتظار يومي ثقيل، تُقاس فيه الحياة بظهور وجهٍ على الشاشة، أو بوصول إشارة "متصل الآن" من داخل قطاعٍ يبتلعه القصف والجوع والعزلة.
كانت منى تتحدث عن غزة كما لو أنها ما زالت تسير في شوارعها للتوّ، ولم تكن تتحدث عن مدينة غادرتها قبل 4 أعوام لاستكمال دراستها العليا، بل عن جسدٍ لا تزال روحها عالقة فيه، وتقول بثقة لا تخلو من وجع: "أنا بعيدة عن غزة جسديّاً فقط، أمّا روحيّاً وعقليّاً ووجدانيّاً، فأنا لم أتركها يوماً."
ومن منزلها في العاصمة اللبنانية بيروت، تتابع ابنة غزة تفاصيل الحرب لحظة بلحظة، ليس بصفتها خبراً عاجلاً، بل باعتبارها امتداداً شخصيّاً لحياتها. هناك، وراء الحدود المغلقة، تعيش عائلتها، وذاكرتها، وطفولتها، ومدينة كاملة تحت الإبادة.
غزة أكثر من مدينة
تصرّ المقوسي، وهي طالبة دكتوراه في جامعة بيروت العربية، منذ بداية حديثها على تعريف نفسها بعبارة واحدة: "أنا غزيّة"، ولا تقولها كهوية جغرافية عابرة، بل كحالة وجودية كاملة. وتضيف: "أعرّف عن نفسي باعتزاز وفخر بأنني غزيّة... أُحسُّ بأن غزة، بخصوصيتها ومعاناتها ومقاومتها، تتميز عن باقي مدن فلسطين."
قبل الحرب، كانت حياتها في غزة، كما تصفها، تشبه حياة أي امرأة في العالم؛ فهي أم لثلاثة أطفال، توازن بين العمل والدراسة والبيت، وتحاول أن تمنح أبناءها حياة آمنة وسط واقع محاصر وغير مستقر، لكنها تؤكد أن خصوصية غزة كانت دائماً تفرض نفسها حتى في أدق التفاصيل اليومية، فتقول: "كنت أبعث ابني إلى المدرسة، وأنا لا أعرف إن كان سيعود أم لا، وأخرج إلى عملي وأنا لا أعرف إن كنت سأرجع إلى أطفالي!"
وعلى الرغم من ذلك، فقد كانت تؤمن بأن الفلسطيني في غزة لا يعيش فقط من أجل ذاته، بل هو أيضاً يحمل قضية تتسلل إلى تفاصيل التربية والكلمات والأحلام. وتقول منى: "كنت أربي أولادي على أن فلسطين ليست مجرد قضية سياسية، بل أيضاً معنى ينعكس في السلوك والعلم والوعي، وحتى في طريقة الكلام."
لكن الحرب الأخيرة، كما تقول، لم تغيّر شكل الحياة فقط، بل أيضاً أعادت تشكيل الإنسان من الداخل، فقد "غيّرت مفاهيمي ونظرتي إلى المستقبل. حتى أحلامي انتقلت من حال إلى حال، ولم تعد هناك أولويات كما كانت سابقاً."
حين يصبح الاطمئنان خبراً تلفزيونياً
خلال الأشهر الأولى للحرب، كانت المقوسي تراقب الأخبار، وتتنقل بين القنوات الفضائية على مدار الساعة، تتابع القصف والدمار والخرائط وأسماء الشهداء، بينما كانت أسرتها محاصرة في حي الشجاعية، وبعضهم نازح في مستشفى الشفاء، وهناك آخرون موزعون بين مناطق النزوح والدمار المنتشرة على مد البصر في قطاع غزة.
وتروي منى إحدى أكثر اللحظات قسوة عليها؛ عندما انقطع الاتصال بوالدها ووالدتها داخل المستشفى خلال اقتحامه من جانب الاحتلال، فتقول: "كنت أناشد عبر مواقع التواصل: 'إذا حدا عنده قريب بمستشفى الشفاء يطمني عن أهلي‘"، ثم تضيف بصوت يختلط فيه الذهول بالمرارة: "اطمأننتُ على أمي عبر تقرير تلفزيوني... ظهرت فيه صدفةً وراء المراسل، فعرفتُ أنهم لا يزالون أحياء." وفي تلك اللحظة، لم يعد الإعلام بالنسبة إليها وسيلة نقل خبر، بل صار نافذتها الوحيدة نحو عائلتها المحاصرة.
الفقد... حين تتحول الأسماء إلى ذاكرة
عاشت المقوسي في غزة أربعة حروب سابقة، لكن الحرب الأخيرة بالنسبة إليها كانت مختلفة بكل تفاصيلها ونتائجها؛ فلم تكن حدثاً عابراً، ولم يكن الشهداء فيها مجرد أرقام تحصى في نشرات الأخبار، بل كانت أسماء ووجوهاً وعلاقات شخصية وأسرية تغيب تباعاً. وفي هذا الصدد، تقول منى: "في الأيام الأولى للحرب، فقدتُ صديقتي الصحافية سلام ميمة مع زوجها وعدد من أطفالها. وهذا كان حدثاً صادماً لي، لم أكن أتصور أن يحدث لأقرب صديقاتي التي كنت قد أقفلت الهاتف معها قبل ساعات من استشهادها."
وتتابع حديثها: "فقدتُ أفراداً من عائلتي قبل أن يُدمَر منزل أهلي وبيوت إخوتي في حي الشجاعية." وتضيف: "مرت الأيام وكأنها جبال على صدورنا، وكان الحدث القاسي والمؤلم والمفجع هو استشهاد والدة زوجي، بعد أن قصفت طائرات الاحتلال المنزل وهدمته فوق أفراد عائلته."
ثم تتوقف قليلاً قبل أن تتحدث عن والدها، وهنا تحديداً يصبح الكلام أثقل من اللغة نفسها، فقد جاءت اللحظة الأكثر قسوة مع وصول نبأ وفاة والدها المريض، والذي أصيب بالفشل الكلوي، وازداد وضعه سوءاً بعد أن انهارت المنظومة الصحية داخل القطاع بسبب الحرب والحصار والمنع من السفر إلى الخارج للعلاج، حتى توفي في 2 رمضان هذه السنة، فتقول بغصة وصوت مثقل بالفقد: "ما شفتو من أربع سنين... وما قدرت أودعه... هاي اللحظة غيرت حياتي إلى الأبد. كنت أحلم أن أعود إلى غزة، ويحتضن والدي أبنائي... لكن نحن أهل غزة قد كُتب علينا أن نعيش الغربة والوجع والفقد معاً."
الشعور بالحسرة والعجز
على الرغم من أن المقوسي نجت جسديّاً من الحرب على غزة، بحكم وجودها في لبنان، فهي ترفض وصف نفسها بـ "الناجية"، وتقول بحزم: "ما بشوف أي غزاوي ناجي من هاي الحرب... إذا نجونا بأجسادنا، إحنا تألمنا نفسيّاً وروحيّاً وصحيّاً." وتضيف: "الغزاوي اللي خارج غزة مش خارج الوجع... هو فقط يشاهده من زاوية ثانية." وترى أن "الفلسطيني خارج غزة يعيش شكلاً آخر من الإبادة؛ فينتابه شعور دائم بالعجز والخوف والنفي القسري، وخصوصاً مع استمرار منع الكثيرين من العودة إلى القطاع بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر."
لقد تحوّل ذلك الشعور بالعجز مع الوقت إلى ما تصفه بـ "عقدة الناجي"؛ فكانت تشعر بالأسى لأنها تأكل، بينما الناس في غزة يموتون جوعاً، وتعترف بألم: "صرت أبتعد عن الأكل... حتى كسرة الخبز كنت أحسها ثقيلة، لأن أهل غزة لا يجدونها"، وتتابع: "وقت المجاعة، كان مشهد طفل جائع في غزة يوجعني كأم وكإنسانة... كنت أحس كل أطفال غزة أولادي."
لبنان... وجع يشبه غزة
لم تجد المقوسي في لبنان وطناً بديلاً، لكنها وجدت مساحة تشبه وجعها؛ إذ ترى أن خصوصية المجتمع اللبناني، بتاريخه مع الحرب والاحتلال، جعلته أقرب إلى فهم الفلسطيني، ولا سيما "الغزيّ"، فتقول: "لبنان يمكن البلد الوحيد اللي حسّيت فيه إنو الناس فاهمة وجعنا فعلاً"، كما تتحدث بامتنان واضح عن التضامن اللبناني مع غزة، معتبرة أن اللبنانيين "ساندوا الفلسطينيين بالدم قبل أي شيء آخر."
وعلى الرغم من امتنانها الكبير للبنان، فهي تصرّ على أن الغربة تبقى غربة، مهما تبدو أقل قسوة، فتقول: "ما في مكان بيعطي الإنسان مثل بلده"، وكانت تقولها بحنين واضح، قبل أن تضيف: "أنا لا أرى مستقبلي إلاّ داخل غزة."
بالنسبة إليها، العودة ليست احتمالاً سياسياً، إنما هي يقين شخصي، فتؤكد: "أنا أعيش على أمل الرجوع... وإذا ما رجعت أنا، أولادي رح يرجعوا." وتصف غزة بأنها "النفس والروح والحياة"، مؤكدة أنها ما زالت تبني مستقبلها العلمي من أجل العودة إليها يوماً ما، والمساهمة في إعادة بنائها.
وحين وجهت رسالتها الأخيرة إلى العالم، تغير صوتها مجدداً، وكأنها تحاول أن تنتزع غزة من النسيان قبل أن تنهي الحديث، لتقول: "احكوا عن غزة... لا تتركوها وحدها." ثم تضيف: "غزة خُذلت كثيراً، فلا تكونوا شركاء في خذلانها بالصمت."