لم تمضِ سوى لحظات على بدء القصف الإيراني على المدن المحتلّة، مطلع الأسبوع الماضي، حتى سارعت إسرائيل إلى إغلاق معابر قطاع غزة الحدودية كافة. مثّل هذا القرار، الذي لم يستند إلى أيّ دواعٍ أمنية داخل القطاع، امتداداً لسياسة دأبت المؤسسة السياسية والأمنية الإسرائيلية على تطبيقها، خلال الأشهر الماضية، تقوم على توظيف الأحداث الإقليمية لتضييق الخناق على الغزيين. ورغم أن الإغلاق استمرّ يومَين فقط، إلا أن تداعياته انعكست سريعاً في الأسواق المحلية التي تعتمد بنسبة 100% على دخول البضائع بشكل يومي؛ إذ فُقِدت من الأسواق أصناف حيوية من مثل اللحوم والخضروات التي تضاعفت أسعارها بسبب الندرة.
وفي هذا السياق، يختزل الخبير الاقتصادي، محمد أبو جياب، الواقع الاقتصادي الذي نشأ بعد الحرب بمصطلح «الاعتمادية الكاملة»، أي ارتباط مختلف احتياجات أهالي غزة اليومية، من رغيف الخبز وحتى المستهلكات كافة، بعمل المعابر بصورة اعتيادية. ويضيف أبو جياب، في حديثه إلى «الأخبار»، أن «تقليص عدد الشاحنات الداخلة إلى القطاع من نحو 600 شاحنة يومياً قبل الحرب إلى معدّل لا يتجاوز 200 شاحنة حالياً، جعل الاستهلاك يفوق الواردات بفارق كبير»، مشيراً، في الوقت نفسه، إلى أن غزة تفتقر اليوم إلى أيّ «بنية تحتية اقتصادية تسمح بتخزين السلع الأساسية، بعد تدمير الثلاجات التجارية ومنشآت التخزين خلال الحرب».
وهكذا، قلبَت آثار يومَين من إغلاق المعابر، ثمّ فتحها بشكل جزئي مقنّن، حال الاستقرار المفقودة أصلاً؛ إذ تقلّص عدد الشاحنات التي دخلت القطاع في أسبوع التصعيد الإيراني من 4200 شاحنة أسبوعياً إلى 590 شاحنة فقط، وذلك وفقاً لبيانات التنسيق العسكري الأميركي التي نشرتها صحيفة «هآرتس». وفي الموازاة، حذّرت وزارة التنمية الاجتماعية في غزة من تفاقم أزمة الأمن الغذائي، نتيجة الانخفاض المستمرّ في كميات الطحين والمواد الغذائية الأساسية الواردة إلى القطاع، وما يترتّب عليه من تراجع في قدرة المخابز والمطابخ التكافلية على تلبية احتياجات السكان. وأوضحت الوزارة، في بيان، أن الكميات المتوافرة من الطحين حالياً لا تتجاوز 200 طن يومياً، في حين لا تقلّ الاحتياجات اليومية عن 450 طناً يومياً، ما يوسّع فجوة الاحتياج الغذائي ويقلّص قدرة العديد من الأسر على تأمين احتياجاتها الأساسية. ولفتت إلى أن عدداً متزايداً من المخابز والمطابخ التكافلية يواجه خطر التوقّف عن العمل بسبب نقص التمويل وشحّ الموارد المُتاحة، فضلاً عن أزمة الوقود ومواد التشغيل اللازمة لاستمرار تقديم الخدمات.
وتنسجم هذه المؤشرات مع أحدث بيانات «برنامج الأغذية العالمي» (WFP)، التي تفيد بأن نحو 1.6 مليون إنسان في غزة، أي ما يعادل 77% من السكان، يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحادّ. كذلك، يُتوقّع، وفقاً للبيانات نفسها، أن يعاني أكثر من 100 ألف طفل وعشرات الآلاف من النساء الحوامل والمرضعات من سوء التغذية الحادّ خلال المدة المقبلة.
وعلى أيّ حال، لا يبدو الإغلاق الأخير استثناءً في السلوك الإسرائيلي؛ إذ كان الاحتلال لجأ إلى الإجراء نفسه مع اندلاع ما عُرف بـ«حرب رمضان». وهو ما يعزّز الانطباع بوجود سياسة إسرائيلية ثابتة عنوانها «تدفيع الثمن»، وتعميق آثار حرب الإبادة بتحويل القطاع إلى بيئة طاردة للحياة.