مجزرة آل فحص في السكسكية: ثأرٌ جديد تتوارثه الأجيال "إنسولين" منتهي الصلاحية وأجساد جائعة.. حياة 2500 طفل غزي في خطر حرب مزدوجة: كيف انضمت القوارض والأفاعي إلى القصف والاستهدافات كجبهة جديدة في غزة؟ «صطيف» في سجون سوريا الجديدة الإبادة العمرانية: حرب لمحو الذاكرة الجماعية في الجنوبتحذيرات من كارثة إنسانية تهدد أكثر من 100 ألف نازح في السودان البحرين تجرد 69 مواطناً من جنسياتهم بتهمة «التعاطف مع إيران» "خطأ تكتيكي"... جماعة منشقة في كولومبيا تعلن مسؤوليتها عن هجوم دام إسرائيل تعترض 175 ناشطاً ضمن أسطول مُساعدات لغزة حقوقيون ضد العدوان: مقاربات قانونية لجرائم الاحتلال وقرارات الحكومة اللبنانية
   
الصفحة الرئيسة القائمة البريدية البريد الالكتروني البحث سجل الزوار RSS FaceBook
جرائم ضد الإنسانية
تصغير الخط تكبير الخط طباعة الصفحة Bookmark and Share
حرب مزدوجة: كيف انضمت القوارض والأفاعي إلى القصف والاستهدافات كجبهة جديدة في غزة؟

لم تعد المخاوف في قطاع غزة تقتصر على القصف والنزوح ونقص الغذاء، إنما امتدت لتزحف فوق الركام. ففي مشهد تغير بالكامل، اختفت شاحنات النظافة التي كانت تجوب الشوارع يومياً، وتوقفت المكبات عن العمل، وأصبح الوصول إلى المكب الرئيسي في "جحر الديك" شرقي غزة مستحيلاً، بعد أن تحولت المنطقة إلى نطاق عسكري مغلق وجُعلت ضمن المناطق الصفراء التي يسيطر عليها جيش الاحتلال. في المقابل، تراكمت النفايات في كل مكان؛ بين خيام النازحين، وفوق أنقاض البيوت المهدمة التي لم تعد مجرد حجارة، إنما أرضية مفتوحة تتحلل فيها بقايا الحياة. ومع تدمير شبكات الصرف الصحي، اختلطت النفايات بالمياه العادمة، لتتشكل بؤر ملوثة تجذب كل ما يمكن أن يعيش ويتكاثر فيها. حتى سوق فراس، الذي كان سوقاً يعج بالحياة، تحول إلى أكوام هائلة من القمامة تختلط فيها الروائح الثقيلة بيوميات الناس في الخيام.

في خضم هذا الانهيار، ظهرت القوارض والحشرات والأفاعي بأعداد أكبر وأنواع أكثر عدوانية، تتسلل إلى الخيام وتقترب من أماكن النوم، ليست حاملة للأمراض فقط، بل مسببة إصابات وعاهات حقيقية. هكذا تفتح البيئة المنهارة على سكان غزة جبهة جديدة من الخطر، تُعاش كل يوم.

لم يعد هذا الخطر مجرد احتمال بعيد، إنما تحوّل إلى واقع ملموس يتكرر يومياً بين خيام النازحين. في مساحات مكتظة بالنفايات، وعلى مقربة من أماكن النوم، يجد السكان أنفسهم في مواجهة مباشرة مع القوارض والحشرات السامة، في ظل غياب الحماية والرعاية الكافية، ومنع الاحتلال الإسرائيلي إدخال المبيدات والمواد اللازمة لمكافحة الآفات.

بدأت هذه الظاهرة تتصاعد بصورة لافتة، مع ظهور كائنات مؤذية مثل "العرس"، الذي سُجّلت له حوادث هجوم، بينها حادثة لطفل صغير انتهت بوفاته بعد تعرضه للعض. كما يروي السكان عن العثور المتكرر على حشرات سامة قرب أطفالهم في أثناء النوم، في مشهد يعكس حجم الخطر الذي بات يحيط بأبسط تفاصيل الحياة اليومية.

بالتوازي مع ذلك، تتزايد المخاوف الصحية مع انتشار الأمراض في بيئة ملوثة ومفتوحة، وسط تسجيل حالات وفاة غير واضحة الأسباب، ما يضاعف القلق لدى العائلات التي تعيش من دون أي وسائل وقاية أو استجابة طبية كافية.

وفي هذا السياق، وجّهت بلدية غزة مناشدات عاجلة للمنظمات الدولية والإنسانية، دعت فيها إلى التدخل الفوري لتوفير المبيدات والمواد اللازمة لمكافحة القوارض والحشرات، في ظل انعدام هذه المستلزمات منذ بداية الحرب في تشرين الأول/أكتوبر 2023، وعدم توفرها في الأسواق المحلية.

وهذه الجبهة ليست مجرد مشهد عام، إنما قصص يومية تعكس واقعاً لا يحتمل. ففي مبنى المجلس التشريعي الفلسطيني، في حي الرمال في مدينة غزة، الذي تحوّل اليوم إلى مركز إيواء مكتظ بالخيام، لا تنتهي الحكايات عند حدود النزوح. سندس، الحامل في شهرها السابع، لم تعد تخاف فقط على نفسها، بل على جنينها أيضاً. تستيقظ مذعورة كل ليلة، تركض داخل الخيمة هرباً من القوارض التي تظهر فجأة، على الرغم من تحذيرات الطبيبة لها من كثرة الحركة، لما قد تشكّله من خطر على حملها. زوجها محمود حمدان، جرّب كل الوسائل الممكنة — مصائد تقليدية وسموم — لكن من دون جدوى، فعددها أكبر من كل محاولة، وكأن المواجهة غير متكافئة منذ البداية.

في خيمة أُخرى في خان يونس، كانت أماني أبو سلمي تعدّ أيامها لعرسها، قبل أن تكتشف أن الفئران سبقتها إلى جهازها. قبل تسعة أيام فقط من الزفاف، وجدت ملابسها مقضومة ومبعثرة. تقول: "كل ليلة أصحى أتفقد شو اتاكل وشو ضاع… هيني بخسر جهازي قطعة قطعة." والدتها تضيف بمرارة أن الفئران لم تكتفِ بالاقتحام، بل أيضاً حفرت جحوراً داخل الخيمة نفسها، وأن كل محاولاتهم باءت بالفشل، "كأنها حرب علينا… أقسى من اللي عشناه تحت القصف."

أمّا ياسمين الجمل، فاستفاقت ذات ليلة على صراخ رضيعها، لتجده مغطىً بالدماء. لم يكن صراخه عادياً، إنما كان في إثر عضة على وجهه من حيوان تصفه بأنه "بحجم قطة أو أرنب كبير"، هاجم طفلها داخل الخيمة. لحظة واحدة كانت كفيلة بتحويل الخوف إلى واقع ملموس، لا يمكن تجاهله أو التعايش معه.

في ظل هذا الواقع، لم تعد هذه الحوادث استثناء، إنما صارت جزءاً من يوميات الناس الذين لم يجدوا مكاناً يلجأون إليه، فعاشوا بين الخيام وبقايا مبانٍ مدمّرة، حيث تختلط الحياة بالخطر في كل تفصيلة.

يحمل محمد الرقب طفله ذا الثلاثة أعوام، بعد أن تعرّض لعضة جرذ في أثناء نومه داخل خيمة العائلة، في مدينة خان يونس جنوبي القطاع. لم تكن الحادثة عابرة، إنما لحظة كاشفة لحجم الخطر الذي يعيشه السكان يومياً. يقول وهو يثبت مصيدة للفئران داخل الخيمة: "العرسة عضّت ابني في أنفه وهو نائم… منذ تلك الليلة، لم أعد أستطيع النوم. أبقى مستيقظاً أراقب أطفالي طوال الوقت." يضيف بصوت مثقل: "الفئران تهاجمنا كل يوم، أتلفت الخيمة وأغراضنا، ولم نعد نعرف كيف نحمي أنفسنا منها."

وفي السياق نفسه، تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن نحو 1.7 مليون شخص من أصل 2.2 مليون نسمة ما زالوا يعيشون في مخيمات نزوح، في ظل دمار منازلهم واستمرار القيود على الوصول إلى مساحات واسعة من القطاع. ووفق زيارات ميدانية نفذتها فرق مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية، فإن هذه المخيمات تشهد انتشاراً واسعاً للقوارض والطفيليات، في بيئة تفتقر إلى أبسط مقومات الصحة والنظافة.

هذا الواقع ينعكس مباشرة على الوضع الصحي، إذ يؤكد الطبيب هاني الفليت، رئيس قسم الأطفال في مستشفى شهداء الأقصى، وجود زيادة كبيرة في الأمراض الجلدية بين الأطفال، وخصوصاً مع ارتفاع درجات الحرارة. ويضيف: "نستقبل يومياً حالات جرب والتهابات جلدية فيروسية وبكتيرية، في ظل نقص حاد في الأدوية والعلاجات." وفي خيام أُخرى، تتكرر الشكاوى من انتشار القوارض والحشرات، حيث تزداد كثافتها بصورة غير مسبوقة. تقول صابرين أبو طيبة: "نعيش في خيام ومدارس تغمرها مياه الصرف الصحي، وابني يعاني من طفح جلدي في كامل جسده، ولا نستطيع النوم… أخذته إلى الأطباء دون جدوى."

ليس غريباً أن تنتشر القوارض حيث تتراكم النفايات، ولا أن تظهر الأفاعي حيث تشققت الأرض وتفجرت أنابيب الصرف الصحي. الغريب أن يضطر الناس إلى العيش في قلب هذه البيئة، بلا حماية، بلا حلول، وبلا أفق قريب يلمحون فيه خلاصاً.

في غزة، حيث كل شيء منهك، لم يعد هناك ما يسمى بـ"خطر طبيعي". كل خطر هنا هو خطر مصنوع، نتيجة حرب لا تتوقف عند حدود القنابل، إنما تمتد إلى ما بعدها، لتعيد تشكيل البيئة كسلاح غير تقليدي. القوارض والأفاعي ليست سوى جنود في هذه الحرب الجديدة، تزحف حيث انسحب البشر، وتتكاثر حيث توقفت الحياة.

في النهاية، تبقى المعاناة الغزية مزدوجة؛ مرة تحت القنابل، وأُخرى في الخيام، بين جحور الفئران وأنياب الأفاعي. ربما ستتوقف القنابل يوماً ما، لكن استعادة البيئة من براثن هذه الكائنات ستستغرق سنوات. وسيبقى سكان غزة، في كل ليلة، يصغون إلى حفيف الزحف تحت خيامهم، متسائلين: أي خطر قادم بعد هذا؟


فلسطين العدو الإسرائيلي المجازرالإبادة الجماعية

21:37 2026/05/12 : أضيف بتاريخ


معرض الصور و الفيديو
 
تابعونا عبر الفيس بوك
الخدمات
البريد الالكتروني
الفيس بوك
 
أقسام الموقع
الصفحة الرئيسية
سجل الزوار
معرض الصور و الفيديو
خدمة البحث
البحث في الموقع
اهلا وسهلا بكم في موقع حرمات لرصد إنتهاك المقدسات