عائلة بريطانية تروي كابوس محاولة إنقاذ ابنها من تهمة الانتماء لـ"داعش"
بدأ الكابوس، الذي قلب حياة سالي لين وجون ليتس رأساً على عقب، بمكالمة هاتفية تلقياها قبل أكثر من 12 عاماً.
في البداية، شعر الوالدان اللذان يحملان الجنسيتين البريطانية والكندية بالارتياح عندما برع ابنهما الأكبر، جاك، في تعلم اللغة العربية.
كان ابنهما المراهق الانطوائي، صاحب الابتسامة الخجولة، يعاني اضطراب الوسواس القهري الحاد أثناء متابعته دراسته في حي هادئ من أحياء الطبقة المتوسطة في أكسفورد. اعتنق الشاب الإسلام وطلب تخصيص جزء من سنة الاستراحة التي سيقضيها قبل دخوله الجامعة لدراسة اللغة العربية في الكويت.
بعد أسابيع قليلة فقط من بدء الدورة، في أغسطس (آب) 2014، اتصل بوالديه وقال "يا أمي، أنا في سوريا"، قبل أن ينقطع الاتصال الرديء.
ومنذ تلك اللحظة، بدأت معاناة استمرت لأكثر من عقد من الزمن، حاولت خلاله سالي (63 سنة) وجون (65 سنة) إنقاذ ابنهما الحبيب المضطرب وإعادته للديار.
إنها معركة مستمرة حتى اليوم، وقد دمرت أسرتهما.
"كانت مجرد مكالمة هاتفية دامت 10 ثوان"، تقول سالي في حديثها إلى "اندبندنت"، وهي تستذكر اليوم الذي قلب حياتهم رأساً على عقب. فيما يتذكر جون، وهو مزارع مختص بالمنتجات العضوية وعالم آثار، أنه هرع إلى المنزل "مذعوراً".
وتتابع سالي قائلة "كنا مرعوبين، كنت أنام واضعة هاتفي بجانب سريري، خوفاً من أن أتلقى مكالمة في أية لحظة تخبرني أنه لم ينج، كان الأمر مروعاً"، وتضيف "منذ ذلك الحين، ونحن نصرخ بلا جدوى".
انتهى الأمر بـجاك في الأراضي الواقعة تحت سيطرة تنظيم "داعش" في سوريا، على رغم نفيه المتكرر انضمامه إلى التنظيم أو القتال في صفوفه، إذ يزعم بأن التنظيم قام في الواقع بسجنه.
في عام 2016 قبض عليه الأكراد، ومنذ ذلك الحين، وهو محتجز من دون تهمة أو محاكمة في المعتقلات المخصصة لأعضاء "داعش" في سوريا، مقطوعاً عن العالم الخارجي معظم الوقت، ويقول والداه إنه تعرض للتعذيب وسوء المعاملة.
في المملكة المتحدة، أطلق عليه أحد الصحافيين لقب "جاك الجهادي"، وهو لقب يرى والداه أنه حدد مصير ابنهما ولا يزال يطاردهما حتى اليوم: فقد تناولت مقالات لا حصر لها قصة "أول فتى بريطاني أبيض" يتهم بالانضمام إلى التنظيم الإرهابي العالمي، على رغم عدم وجود تحقيق رسمي أو إجراءات قانونية.
وما زاد من معاناة سالي وجون أنهما دينا بتهمة تمويل الإرهاب، وهي تهمة ينكرانها بشدة، بعد محاولتهما (الفاشلة) إرسال مبلغ من المال إليه كي يهرب من سوريا، عندما كان يتعرض للملاحقة من مقاتلي "داعش"، بحسب ما يقولانه.
لاحقاً، سحبت الجنسية البريطانية من جاك، وهو ما أنهى مساعيهما إلى إعادته لبريطانيا، حتى لو كان ذلك للمثول أمام المحكمة. وبفعل هذه الضغوط، انهار زواج سالي وجون.
وسط تصاعد الصراع بين الفصائل المتنافسة في سوريا، يعتقد الآن أن جاك واحد من بين ما يقرب من 6 آلاف رجل من عشرات الجنسيات نقلهم الجيش الأميركي إلى سجن في العراق في فبراير (شباط) من العام الحالي، الذي تعرض بدوره لقصف صاروخي خلال الصراع بين الولايات المتحدة وإيران.
لكنهما لا يملكان أية وسيلة للتواصل مع ابنهما، من أجل التحقق من ذلك.
تقول سالي إن التهديد الجديد هو "إعدامه الوشيك" في بغداد، إذ حذرت منظمة "هيومن رايتس ووتش" من "انتهاكات موثقة جيداً للإجراءات القانونية الواجبة في القضايا المتعلقة بمكافحة الإرهاب"، وهو ما نفته وزارة العدل العراقية في بيان لـ"اندبندنت".
وتقول سالي بصوت يملؤه اليأس "كل هذا دمر الأسرة تماماً، كل شيء، كل شيء على الإطلاق".
وتضيف "لا أستطيع التوقف عن التفكير فيه لحظة واحدة، هل يتعرض لسوء المعاملة؟ هل يتعرض للتعذيب؟ هل يتعرض للضرب؟ هل ما زال بكامل قواه العقلية؟ لقد مر عقد من الزمن".
ومن جهته، يقول جون الذي يشعر هو الآخر باليأس والغضب، إنهما أمضيا سنوات طويلة يخوضان معركة عقيمة لإقناع الحكومتين البريطانية أو الكندية بالاعتراف بقضيتهما وإعادته للوطن، ولو حتى لمحاكمته هنا.
ثم يشرح جون، بصوت مليء بالمرارة "لقد أمضينا السنوات الخمس أو الست الماضية في محاولة تنظيم حملة ومحاولة البقاء على قيد الحياة في عالم لا يوظفك فيه أحد لأنك مصنف كإرهابي، أو والد الجهادي جاك، أو والدة الجهادي جاك".
ويكمل قائلاً "كل ما نريده هو أن يكون ابننا على قيد الحياة وأن يطلق سراحه، أو في الأقل أن تعامل قضيته بالطريقة الصحيحة إذا كان قد ارتكب خطأ ما، لكن يبدو أننا استنفدنا كل الفرص المتاحة لمساعدة ابننا".
ويشرح قائلاً "عندما تكون والداً، لا يمكنك أن تتخلى عن محاولة مساعدة ابنك ما دمت قادراً على ذلك، لا أستطيع حتى تناول وجبة ساخنة أو الاستحمام بماء دافئ من دون أن أشعر بالذنب".
"لم نكلم جاك منذ تسع سنوات"
كان جاك لا يزال في سن المراهقة عندما أجرى تلك المكالمة إلى أسرته، في صيف عام 2014.
كان المسلحون التابعون لتنظيم حديث العهد يعرف بـ"داعش" قد أعلنوا إقامة "خلافة" جديدة بالقوة، واستولوا على أجزاء واسعة من العراق وسوريا التي كانت آنذاك في خضم حرب أهلية مدمرة.
وفي المملكة المتحدة، ادعت النيابة العامة أنه انجرف نحو التطرف أثناء وجوده في بريطانيا قبل سفره إلى الشرق الأوسط، لكن الشاب نفى كونه مقاتلاً في "داعش"، وأصر في المقابلات الإعلامية القليلة التي أجراها من داخل السجن تحت أنظار حراسه الأكراد، على أنه كان يعمل مترجماً للإدارة المدنية في الأراضي الخاضعة لسيطرة "داعش".
في مرحلة معينة، تزوج وأنجب طفلاً، ولا يعرف مكان وجود (عائلته) حالياً، وقد ادعى في المقابلات أن "داعش" سجنته ثلاث مرات.
يقول والدا جاك إنه لم يسمح لهما بالتحدث إلى ابنهما منذ يوليو (تموز) 2017، وقد كتب لهما ثماني رسائل منذ ذلك الحين، تسلماها من اللجنة الدولية للصليب الأحمر.
وصلت آخر رسالة في عام 2021، وكتب فيها أن العالم بأسره يكرهه. وبخلاف ذلك، فإن الاتصال الوحيد بين جاك والعالم الخارجي يتم من خلال مقابلات نادرة مع صحافيين، التي يخضع خلالها لمراقبة الحراس.
سالي وجون أرسلا إلى "اندبندنت" شهادة موقعة، كتبها محام بارز في مجال حقوق الإنسان تمكن من زيارة جاك في سجنه في سوريا عام 2018. وقال إن جاك تحدث عن تعرضه للتعذيب ووضعه في الحبس الانفرادي، وأنه قطع شرايين معصميه أثناء احتجازه لدى الأكراد، وأنه اضطر إلى الكذب على الصحافيين في شأن ما حدث بسبب وجود الحراس.
كانت آخر مرة "رآه" فيها والداه عندما ظهر على الشاشة، أثناء مقابلة أجراها معه طاقم تصوير فيلم وثائقي كندي في سجن سوري عام 2024.
وتتابع سالي، التي حفرت أعوام الصراع آثارها في وجهها "شكلت رؤيته في ذلك الفيلم الوثائقي صدمة حقيقية لي، بدا وكأنه شخص مختلف. كأنه كبر 30 عاماً، كان الأمر مروعاً"، مضيفة "هل ما زال بكامل قواه العقلية؟ إنه يحدق في الحائط منذ تسع سنوات".
لم توجه أية تهمة رسمية إلى جاك قط، ولم يحل إلى المحاكمة. وخلال الدعوى المقامة ضد جون وسالي، وصفت النيابة العامة ابنهما بأنه "مؤيد لتنظيم داعش"، وقالت إنها "قدمت أدلة من شهود ورسائل متبادلة بين جاك ووالديه تثبت أنهما كانا على علم بآرائه العنيفة والمتطرفة قبل أن يرسلا له المال".
واستشهدت النيابة بمنشورات كتبت على حسابه على "فيسبوك" أثناء وجوده في سوريا، أيد فيها استخدام العنف ضد جندي بريطاني، وتحدث عن قطع رأس أحد أصدقائه.
يعتقد والدا جاك أن أعضاء تنظيم "داعش" استولوا على كلمة المرور الخاصة بحسابه، وأنه لم يكتب تلك المنشورات، وهو ما قاله جاك بنفسه، كما أن أي اتهام لم يوجه إلى جاك حتى الآن.
لكن في المقابل، في عام 2019، وجد جون وسالي نفسيهما في قفص الاتهام. وقد وجهت إليهما ثلاث تهم تتعلق بتمويل أنشطة متعلقة بالإرهاب بعد محاولتهما إرسال المال إلى جاك في سوريا في عام 2015 عبر وسيط، عندما اعتقدا أنه يحاول الهرب من تنظيم "داعش".
خلال المحاكمة، اعترفت الشرطة بأنه من "الطبيعي" للوالدين أن يرعيا ابنهما، لكنها ادعت أنها حذرتهما من أنشطة جاك، وأخبرتهما "ألا يرسلا له المال تحت طائلة التعرض للملاحقة القضائية".
أنكر جون وسالي التهم بشدة وأصرا على أنهما حصلا على إذن من الشرطة لإرسال أموال إلى ابنهما، الذي لم يتلق أبداً مبلغ الـ223 جنيه استرليني الذي حاولا إرساله. ومع ذلك، دين الزوجان بتهمة واحدة وحكم عليهما بالسجن لمدة 15 شهراً، مع وقف التنفيذ لمدة عام.
ويصف جون الإجراءات بأنها "محاكمة بالوكالة لجاك".
وتابع قائلاً "لقد دمرت حياتنا العائلية، لم نعد قادرين على البقاء في منزلنا، وسبب ذلك مشكلات هائلة لنا"، مضيفاً أن الأمر أثر بصورة كبيرة في ابنه الثاني الذي كان يتحضر لتقديم امتحانات الثانوية العامة عندما صودرت جميع أجهزة الكمبيوتر في المنزل في منتصف التحقيق.
ويضيف "يخبرونك بأن حياتك كلها ستدمر، وأن عملك سينتزع منك. وأنك لن تتمكن من فتح حساب مصرفي أبداً، ولن تتمكن من السفر أبداً، حياتك تدمر لأنكم ’إرهابيون‘".
"تنصلوا من المسؤولية"
في عام 2019، حلت كارثة جديدة فوق رأسهم عندما وصلت رسالة إلى منزلهم تبلغهم، من دون سابق إنذار، بأن جاك قد جرد من جنسيته.
ويواصل جون السرد قائلاً "بعد ذلك، قالت الحكومة البريطانية: ’هذه ليست مشكلتنا، نحن نتنصل من المسؤولية، أصبحت الآن مشكلة كندا‘".
منذ عام 2010 حتى الآن، جردت المملكة المتحدة أكثر من 200 شخص من جنسيتهم لأسباب تتعلق بـ"الصالح العام"، وهو عدد لا يتفوق عليه سوى البحرين ونيكاراغوا، وفقاً لتقرير صدر عن مؤسسة رونيمايد ترست ومنظمة ريبريف العام الماضي.
وبموجب القانون، يحق لوزير الداخلية تجريد شخص من جنسيته، إذا قرر أن ذلك "يخدم الصالح العام".
ورفضت وزارة الداخلية التعليق على قضية جاك، لكنها قالت "يستخدم تجريد الشخص من الجنسية لحماية الشعب البريطاني من بعض أخطر الأشخاص، بمن فيهم الإرهابيون والمجرمون المنظمون الخطرون".
بعد إغلاق جميع الأبواب في لندن بوجههم، سافرت سالي إلى كندا للضغط على السلطات كي تعيد ابنها لوطنه، إذ لا يزال - رسمياً - يحمل الجنسية الكندية.
بعد معركة قضائية طويلة، قضت محكمة الاستئناف الفيدرالية بأن كندا غير ملزمة بموجب القانون بإعادة جاك لوطنه. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، رفضت المحكمة العليا في النهاية النظر في الطعن المقدم ضد ذلك الحكم، ليتلاشى بذلك أملهم الأخير.
تضيف سالي بمرارة "قالت المحكمة العليا إنها لن تنظر في القضية أصلاً، لقد خضنا كل مراحل النظام القضائي، لكنهم رفضوا حتى النظر في الاستئناف الذي تقدمنا به".
"من سيئ إلى أسوأ"
حتى عندما تواصلت سالي وجون أخيراً مع السلطات الكندية، خوفاً من أن يواجه محاكمة غير عادلة وإعداماً بموجب الإجراءات القضائية العراقية، "ردت كندا قائلة: نعم، معذرة، لا يمكننا التدخل في الإجراءات القضائية العراقية"، كما تقول سالي.
وشرحت ثيدا إيث، المتحدثة باسم وزارة الشؤون العالمية الكندية، بأنهم على علم بنقل معتقلين كنديين وما زالوا "يتواصلون باستمرار مع السلطات المحلية"، لكنهم ليسوا بصدد إعادة مواطنيهم للوطن.
وأضافت "تظل سلامة وأمن المواطنين الكنديين دائماً على رأس أولويات حكومة كندا، إلى جانب الوفاء بالالتزامات القانونية اللازمة".
وأكد المتحدث باسم وزارة العدل العراقية أحمد لعيبي أنه في فبراير، نقل 5704 أشخاص، بينهم 10 أشخاص تربطهم صلات بالمملكة المتحدة، من سوريا إلى سجن الكرخ المركزي، الواقع بالقرب من قاعدة عسكرية أميركية ومطار بغداد.
وقال إنهم يواجهون تهماً عدة بموجب القانون العراقي، منها "الانتماء إلى تنظيم داعش الإرهابي، وتنفيذ عمليات إجرامية داخل أو خارج الحدود العراقية، والانتماء إلى هذه الجماعة الإرهابية، وزعزعة استقرار البلاد، وتقويض النسيج الاجتماعي، وإراقة دماء العراقيين".
وأكد لعيبي أنه يمكن إعادة المواطنين الأجانب لبلدانهم الأصلية بعد محاكمتهم إذا لم يصدر في حقهم حكم بالإعدام، وذلك بناء على اتفاقات التعاون المشترك مع تلك الدول، ونفى بشدة مزاعم التعذيب.
لكن في فترة النقل في فبراير، حذرت منظمة "هيومن رايتس ووتش" من أن المعتقلين "معرضون لخطر الاختفاء القسري والمحاكمات غير العادلة والتعذيب وسوء المعاملة وانتهاكات الحق في الحياة" في العراق.
وأضافت سارة صنبر، الباحثة في شؤون العراق بمنظمة "هيومن رايتس ووتش"، "يستحق ضحايا جرائم داعش عدالة حقيقية، وهذا يتطلب محاكمات عادلة للمتهمين".
ورفضت القوات المسلحة الأميركية والبنتاغون التعليق على المخاوف من حدوث انتهاكات في العراق أو تقديم تفاصيل عن المعتقلين، مكتفين بالإشارة إلى بيان أعلن عملية النقل.
وقام جون وسالي أيضاً بمحاولة يائسة للتواصل مع وزير شؤون الشرق الأوسط في المملكة المتحدة هيميش فالكونر، لكنهما أفادا بأنهما تلقيا رداً خطياً يفيد بأن جاك قد جرد من جنسيته البريطانية، "وهو غير مؤهل بالتالي للحصول على المساعدة القنصلية من حكومة المملكة المتحدة".
وعند سؤال وزارة الخارجية عن جاك أو نقل الأشخاص الآخرين المرتبطين ببريطانيا، رفضت التعليق على قضيته بالتحديد.
ومع ذلك، قال متحدث باسم الوزارة "إن حماية أمننا القومي هي الأولوية القصوى لحكومة المملكة المتحدة، ولهذا السبب نواصل العمل مع الحكومتين السورية والعراقية، إضافة إلى شركاء آخرين، لحماية مصالحنا الأمنية المشتركة في المنطقة، وضمان القضاء على ’داعش‘ نهائياً".
"نحن نصرخ بلا جدوى منذ 12 عاماً"
بالنسبة إلى جون، يمثل نقل جاك من سوريا إلى العراق كارثة، ويقول "ما يحدث في السجون العراقية أمر مروع، هذا يعني مزيداً من التعذيب لجاك، والآن اندلعت الحرب [مع إيران]".
من جانبها، تقول سالي إنهم "يصرخون بلا جدوى منذ 12 عاماً".
وتضيف "نعيش في عالم خرافي، حيث يوشك مواطنون بريطانيون وكنديون على مواجهة حكم الإعدام، فيما يتجاهل الجميع الأمر، لم أعد أعرف ماذا أفعل".
وتختم قائلة "عليهم تحمل مسؤولية حماية مواطنيهم من التعذيب والموت وعقوبة الإعدام، وإذا لم يتمكنوا من ذلك، فما فائدتهم؟".